ads980-90 after header
الإشهار 1

على خلفية الجائحة: عن غياب السياسات الثقافية

نورالدين بوكراب

الإشهار 2

إن الظروف التي فرضتها جائحة كورونا، جعلت الجميع  أمام تحدٍّ كبيرٍ على هذه الأرض، وبالخصوص العاملين في القطاع الفني والثقافي؛ رغم أنه أصبح يتضح جلياً أنّ للفنون دوراً أساسياً وفعّالاً في يوميات المجتمعات وأنّ للثقافة موقعا في صلبها، إذ بَعْد أن اضطر الجميع لملازمة البيوت وحُرموا عاداتهم  أثبتت الثقافة حضورها ونجاعتها، فوجدوا في إنتاجاتها خير ونيس لوحدتهم (عبر الكتب، الأفلام، الرسم، الموسيقى..)

منذ البداية، أدرك الجميع أنّ هذا القطاع سيتضرّر بقوة بسبب غياب السياسات الثقافية التي تحفظ الحقوق والمساواة، إذ أنّ هذه اللحظة أظهرت هشاشة المنظومة التي تُعنى بالثقافة و الفن كما عرّت عمق اللامساواة المترسخة في واقعنا المعاش .

رغم أننا اعتقدنا أن هذه الجائحة ستشكل فرصة للتضامن والتعاون في القطاع الثقافي المستقلّ وبين الفنانين والفاعلين الثقافيين والجمهور خصوصا، وكل الأطراف الفاعلة في حين أن هذه الظرفية أبانت عن هشاشة البنى الثقافية المعتادة، فكانت أول الضحايا على المستويين الرسمي والشعبي، فمعظم النخب توارت عن الأنظار (قد يبدو هذا التواري مفهوما لأن عنصر المفاجئة  كان حاسما)، الأدهى كون هذه الظرفية شكلت فرصة سانحة استغلها المتربصون بالحقل الثقافي والفني بل وحتى الرياضي و ذلك سواء بحقد دفين أو انتقاما من التنوير والانفتاح (وهنا لا بد من التنويه أننا لا ندافع عن التمييع الذي ننتقده قبل الجائحة وسنظل نقارعه بعدها لأننا ندافع عن الثقافة المسؤولة والفن الهادف) رغم كوننا مع الحريات التي لا تمس هوية وجوهر المجتمع..

وبِكَيْديةٍ فَجّة، شكل هؤلاء المترَبّصون بالفن والثقافة جيوشا من الأتباع -بوعي أو بدونه- لفرض آرائهم وحجرهم الفكري على الكل، مستفيدين من الإمكانيات الهائلة التي توفرها التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي وهامش الحرية المتاح فيها، وما أضحى يمثله من فضاء لبث السموم وتصفية الحسابات…

ولكوننا في الجبهات الأمامية للمتضررين والمتأثرين من مخلفات هذه الجائحة نسجل ما يلي:

على المستوى الرسمي، نهيب بالمسؤولين أن اتخاذ القرارات يجب أن يكون مسبوقا بالضرورة بدراسة نتائجها قبل اتخاذها رغم مِلْحاحِيَتِها واستعجاليتها، أو، على أقل تقدير، الاستفادة من هذه التجربة للاستعداد لمثيلاتها بوضع خطط استباقية لتسييرٍ أنجع لمثل هذه المحن وللحد من تبعات مثل هكذا قرارات جزافية.

وعلى المسؤولين الجهويين والإقليميين والمحليين التنسيق مع الفاعلين لتشكيل قوة اقتراحية كفيلة بالحد من الآثار المدمرة للقرارات الفوقية بل ولم لا جَعْلها فرصة يكمن الاستفادة منه؟

على المستوى العاملين في القطاع، لاحظنا، وبالملموس، غياب التآزر والتضامن، بل وتمركز مفرط حول الذات بعيدة كل البعد عن التشابك الجامع (لا التشبيك المصلحي الضيق).

على مستوى المجتمعات الحاضنة للصناعات الثقافية والفنية (نحدد هنا: المسؤولين عن التنمية المحلية والجهات المستفيدة منها: كالفنادق، المطاعم، وسائل النقل، صغار الدكاكين. إضافة الى العاملين مباشرة من: فنانين، فاعلين، شركات طباعة وإنارة وصوت، مؤلفين، وكافة المتدخلين من (متخصصي التواصل والعلاقات العامة ومصممي الغرافيك، مهندسي الصوت والإنارة، إضافة إلى شركات الإنتاج، القنوات الإعلامية، وكالات الأسفار، شركات الاتصالات، شركات الطيران……

الحقيقة أن المجال الثقافي هو حقل للصناعة منسي، لكنه يختلف عن باقي الصناعات في أنه مجال صانع للقيم المجتمعية ومحرك لها قبل أن يكون مجالا للثروة، وكل مجال تذكر فيه الثروة يكون عرضة للانتهازيين وذوي المطامع، حتى وهم بعيدين كل البعد عن قيم الثقافة الحقة، إن ما ندعو إليه اليوم، هو بناء  ركائز الثقافة على أسس متينة، والخروج بها من غرفة الانتظار إلى رحابة الصناعة بما تحمله الكلمة من معنى، من خلال اعتماد سياسة ثقافية شاملة، مستدامة، واضحة وذات جدوى.

لكن هذا لن يتأتى من غير ما دعونا إليه سابقا من دراسة مسبقة لآثار القرارات المركزية، وتوحيد للجهود بين كل الفاعلين والمتدخلين في الشأن الثقافي إضافة إلى تقوية قدراتهم في المجال.

طموحنا هو أن نصل بثقافاتنا المحلية المتنوعة إلى أعلى قمم التأثير العالمي، خصوصا وأن ثقافات المغرب غنية وقادرة على الترويج لنفسها أمام ثقافات العالم، حتى في أحلك الظروف، كالتي نعيشها اليوم.

جائحة كورونا هي تمرين يجب أن نستفيد منه، وأن نحول الفعل الثقافي إلى فعل صلب قادر على الصمود والعطاء، ففي زمن كهذا، نحتاج القيم الثقافية أولا، كي نصحح بوصلة المجتمع حينما تميل، وبدون هذه البوصلة، فإن الطريق تيه لا نهاية له، فاغتنموا الفرصة وتعلموا من هذا الدرس يرحمكم الله.

+منظّم مهرجان الرحل


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5