ads980-90 after header
الإشهار 1

الباحث المغربي خالد حاجي في حوار مع الصحافية والباحثة  اللبنانية أورنيلا سكر: نحن في زمن “السلطة المائعة”

أضواء ميديا - خاص

الإشهار 2

أكد الباحث المغربي د. خالد حجي في حوار أجرته معه الصحافية اللبنانية، أورنيلا سكر، الباحثة المتخصصة في نقد العقل العربي الإسلامي من منظور علم الاستشراق ومديرة موقع أجيال قرن ال21، أن “العالم أصبح في زمن الصورة”، كما أبرز الباحث الحاصل على الدكتوراه في الآدب والعلوم الانسانية والعضو السابق بمركز الجزيرة للدراسات والابحاث بالدوحة، قطر، “أننا في زمن “السلطة المائعة”، وليس زمن السلطة الحاكمة باسم الأغلبية الديموقراطية في فضاء جغرافي يعتبر حيز سيادتها.”

و”أضواء ميديا” إذ  تنشر هذا الحوار كاملا، بالنظر إلى أهميته المعرفية،وأيضا نزولا عند رغبة الصحافية والباحثة اللبنانية، أورنيلا سكر في إشراك قراء المغرب والمنطقة المغاربية مضامين هذا الحوار الفكري الغني.

أورنيلا سكر: يرى البنائيون أن المفهوم الواقعي للفوضى لا يفسر لنا كيف تحدث الصراعات بين الدول تفسيرا كافيا، وفي اعتقاده أن المسألة تكمن في كيفية استيعاب الفوضى وفهمها، وأن النظريات التقليدية  تجاهلت أو أهملت  متغيرا مهما وهو عنصر الهوية، ما أدى إلى عدم القدرة على فهم الأشكال الجديدة  من النزاعات الداخلية التي عبرت عنها تفجرات الهوية ذات الفواعل الداخلية. سؤالي: كيف تقيمون ظاهرة هذه الاحتجاجات العربية  أو الغربية التي تمثلت سواء في فرنسا عبر السترات الصفر أو مسيرات هونكونغ، وكيف يمكن فهم سياقها التاريخي؟

خالد حجي: يستحيل فهم ما يجري من احتجاجات وانتفاضات، سواء في العالم العربي أو في أماكن أخرى، انطلاقا من محدد واحد؛ فالراجح أن عوامل كثيرة تتضافر لتقف وراء ظواهر الاحتجاج، منها ما هو نفسي، متعلق بحالة الشعوب الشعورية؛ ومنها ما هو اقتصادي، ذي صلة بأزمات معيشية؛ ومنها ما هو مردود إلى فشل الأنظمة السياسية واستنفادها القدرة على الحفاظ على التماسك المجتمعي؛ ومنها كذلك ما هو متعلق بانسداد الأفق الحضاري وعجز بعض الثقافات عن مسايرة الواقع الكوني المتغير. لقد كتب هارتموت روزا (Hartmut Rosa)، في كتابه (Beschleunigung) حول سرعة وتيرة التغيرات التي يشهدها العالم اليوم ما معناه، أننا أصبحنا نفتقر إلى القدرة على التنظير لما يحصل في العالم، وأن التفكير العميق في تراجع، وأننا عاجزون عن فهم المعنى الكامن وراء أفعالنا، فضلا عن فهم ما يمكن أن تفضي إليه هذه الأفعال؛ وذلك لأننا أصبحنا لا نتوفر على الوقت للتشاور والتفاكر وصياغة الحجج والأدلة وبنائها أو التأكد من صحتها. فقد أصبحنا في زمن الصورة، والصورة كما لا يخفى أسرع تداولا من الحجج والأدلة، وهو ما ينتج عنه، دائما بحسب هارتموت روزا، آراء قلقة متسرعة وقرارات سياسية هي إلى ردود الأفعال أقرب منها إلى شيء آخر.

وباختصار شديد، تؤشر جملة الاحتجاجات التي نراها اليوم عبر العالم على وجود قلق دفين، كما تؤشر على وجود نظام جديد قيد التشكل، لعل من أبرز ملامحه هو الانتساب المزدوج إلى عالمين اثنين، عالم الجغرافيا التقليدية وعالم الافتراض. وكأننا بالأغلبيات تسعى للحفاظ على مكتسباتها، وبالأقليات تهرع لاحتلال مواقع جديدة.

أورنيلا سكر: برأيك ما هي محددات الفوارق بين احتجاجات الغرب واحتجاجات العرب من حيث كم التراكمات التي مرت بها الدول الغربية على سبيل المثال تجربة فرنسا بالمقاربة مع التجربة اللبنانية في مواجهة استبداد الكهنوت من جهة ومكافحة الفساد؟

خالد حجي: هناك فرق شاسع بين الاحتجاجات التي تشهدها بعض الدول الغربية وبين الاحتجاجات في العالم العربي. يخيل إلينا أن الشعوب الغربية تحتج ضد سياسات أو حكومات تهدد مكتسباتها الاقتصادية والاجتماعية. لنا في السترات الصفراء مثال على ذلك. هذا على خلاف كبير مع ما يشهده العالم العربي من أشكال احتجاج يلتبس فيها الأمر على المتتبع، بحيث يعجز عن التمييز بين ما هو مطلب اقتصادي واجتماعي، وبين ما هو مطلب « ثوري » يتوخى تغيير الأسس التي تقوم عليها شرعية الحكم. إن ما يعتمل داخل الوطن العربي هو إحساس كبير بالتدمر وبفقدان الأمل في الدولة، سواء الطائفية أو العسكرية أو غيرها. إن ما يصبو إليه المحتجون في الوطن العربي هو أشكال نظام جديدة، وليس برامج سياسية أو سياسات اقتصادية جديدة، كما هو عليه الأمر في الفضاء الغربي عموما.

أورنيلا سكر: يقول غوستاف لوبون في كتابه السنن النفسية في تطور الأمم أن “تحولات المبادئ الأساسية هي العناصر المهمة في تاريخ الأمم والقادرة على تغيير مصيرها، لا الثورات والحروب التي يمحي ما تؤدي إليه من تخريب بسرعة، وتلك التحولات لا تتم من غير أن يؤدي ذلك إلى تحوّل جميع عناصر الحضارة دفعةً واحدة، فالثورات الحقيقية أخطر الثورات على حياة الأمة، هي التي تحدث في أفكارها.”

برأيك، هل يمكن أن نقول أن الاحتجاجات التي عمت الدول العربية من مصر إلى السودان والجزائر وتونس ولبنان استطاعت أن تحدث تغيراً حقيقيا في أفكارها كما حدث إبان الثورة الفرنسية التي قادها متنورون ونهضويون؟ أين وكيف؟

خالد حجي: زمن الثورة الفرنسية وكل الثورات التي سبقتها أو تلتها قد ولى. نحن اليوم في زمن «افتراضي» يصعب فيه جمع مكونات المجتمع على كلمة واحدة، أو اصطفاف الشرائح المجتمعية وراء نظرية واحدة. نحن في زمن «السلطة المائعة»، وليس زمن السلطة الحاكمة باسم الأغلبية الديموقراطية في فضاء جغرافي يعتبر حيز سيادتها. العالم يخرج باتجاه أفق جديد للديموقراطية، إنها ديموقراطية «الأقليات» التي لم تتحدد ملامحها الكبرى بعد، أهي تقدم إلى الأمام أم نكوص أو انتكاسة إلى الخلف.

لا أعتقد أن التغيير الذي يطرأ في أفكار الشعوب العربية اليوم هو نفسه التغيير الذي طرأ في أفكار الشعب الفرنسي إبان الثورة الفرنسية. الفرق هو أننا اليوم في زمن يتم فيه التحكم في الأفكار ونشرها، سواء أكانت تنويرية أو رجعية، من خلال سلطة تملك تكنولوجية المعلومة والذكاء الاصطناعي.

بناء على ما تقدم ذكره، يمكن القول بأن أمر شعوبنا العربية والإسلامية اليوم أصعب من أمر المرحلة من فكر تنويري، من جهة؛ ووعي بدور الوسائط التكنولوجية في حمل الشعب الفرنسي إبان الثورة الفرنسية. حيث أصبحنا اليوم مطالبين بوعي مزدوج؛ وعي بما تقتضيه هذا الوعي، في إشاعته أو منع وصوله، من جهة أخرى.

أورنيلا سكر: في نظركم، هل واكب البحث السوسيولوجي في المغرب والعالم العربي الثورات العربيّة؟ وهل استطاع تقديم قراءات مهمّة لهذه التحوّلات؟

خالد حجي: هناك محاولات جادة لمواكبة ما يحصل في العالم العربي من انتفاضات واحتجاجات وثورات؛ إلا أن التحدي اليوم ليس على مستوى قراءة الظواهر التي يشهدها هذا العالم، بقدر ما هو الاستفادة من هذه القراءات وتوظيفها؛ سواء من طرف السلط السياسية أو من طرف الشعوب. إننا نعيش عصر نهاية النظرية. لقد امّحت، أو كادت تمّحي، الفوارق بين المعرفة الأكاديمية المتخصصة، وبين الآراء الشعبوية الأكثر تداولا على مواقع التواصل الاجتماعي. هذا الأمر أصبح مقلقا، يهدد بمستقبل غامض، في ظل نهاية « الخبرة » وبروز سلطة «الطنين» (Buzz).

أورنيلا سكر: ما مدى تأثير “الثورات العربيّة” أو الحركات الاحتجاجيّة في تشكيل أو إعادة تشكيل البحث السوسيولوجي العربي؟ ما تقييمكم لوضع السوسيولوجيا في العالم العربي اليوم؟ وهل استطاع البحث السوسيولوجي، أو بالأحرى المناهج المعتمدة من طرف السوسيولوجيين، مواكبة مختلف التغيّرات الاجتماعيّة الحاصلة في الآونة الأخيرة؟ انطلاقاً من حديثنا عن السوسيولوجيا في العالم العربي، هل يمكننا الادّعاء بأنَّ هناك مدرسة سوسيولوجيّة عربيّة على غرار المدرسة الفرنسيّة والمدرسة الأنجلوساكسونيّة، أم أنّنا ما زلنا أمام تبعيّة مطلقة للمدارس الكلاسيكيّة الغربيّة؟

خالد حجي: إن الحديث عن السوسيولوجيا حديث غير منفصل عن التخصصات الأخرى داخل الجامعات في الوطن العربي. فالجامعة في الوطن العربي مفككة الأوصال، لا تقوى على تنظيم البحث تنظيما يفرز مدارس مؤثرة، مثلما هو عليه الأمر في الغرب.

ما زلنا نجد باحثين في نفس الشعبة لا يعرفون ما يقوم به زملاؤهم من أبحاث. كما أن الباحثين كثيرا ما يجهلون ما المطلوب منهم، وما هي وظيفتهم في تحريك المجتمع، أو علاقتهم بصانع القرار السياسي أو بمدبر الشأن المجتمعي. إننا إزاء جزر مفصولة عن بعضها البعض. قد تجد سوسيولوجيين أكفاء، لهم من الكفاءة ما يمكن أن يؤهلهم ليصبحوا مراجع في مجالات بحثهم، لكن انتسابهم للمؤسسات البحثية لا يزيدهم شيئا.

ثم إن هنالك عوائق كثيرة تعترض طريق البحث السوسيولوجي، يأتي على رأسها جملة التابوهات التي تجثم على صدر المجتمع وتحول دون تشريح بعض الظواهر الثقافية والمجتمعية السلبية. هناك كثير من « الحساسيات » تدفع السوسيولوجي إلى العمل بمقولة «كم من أمور قضيناها بتركها»، مخافة أن «يحرك راكدا»، أو كما يقول المغاربة « تحريك جَمَل بارك ». وطبعا من أكبر الموانع التي تقف في وجه البحث السوسيولوجي عدم توفر الحرية؛ فسقف الحرية ليس مرتفعا في الوطن العربي والإسلامي عموما، مقارنة مع الدول الغربية مثلا. لهذه الاعتبارات تجد أن البحث السوسيولوجي في الوطن العربي متخلف عن الظواهر الاجتماعية، لا يواكبها مواكبة فعالة.

أورنيلا سكر: هل استطاعت السوسيولوجيا العربيّة تأسيس قواعدها وأركانها لتواجه الواقع العربي والتحوّلات التي عرفها، أم أنَّها بقيت حبيسة المواقف الأيديولوجيّة؟

خالد حجي: لقد عرف العالم العربي بتضخم ساحة الإيديولوجيا فيه، وتقلص ساحة الفعل الحضاري. وعليه، فما كان للبحث السوسيولوجي في هذا العالم أن يفلت من قبضة هذا التضخم؛ لذلك تجد السوسيولوجين العرب يستسهلون إلصاق ظواهر التخلف بجهة واحدة، إما أن تكون جهة دينية أو ثقافية أو سياسية، وهذا لدواعي إيديولوجية صرفة، عوض الأخذ بعين الاعتبار تعقيدات المشهد السوسيولوجي وتداخل العوامل الذاتية والموضوعية.

هناك بوادر ومؤشرات تدل على أن هذا العالم بصدد الخروج من مأزق التضخم الإيديولوجي باتجاه أفق جديد. ويعود الفضل في هذا التوجه إلى هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة ودورها في إعادة ترتيب العلاقات القائمة بين الأغلبية والأقلية، ودورها في إعادة تشكيل علاقتنا بالماضي والتراث، وكذا تمثلنا للعالم الخارجي.

كل هذه الأمور قد تمكن للبحث السوسيولوجي وتدفع به باتجاه أفق علمي جديد.

أورنيلا سكر: بالختام، لقد قامت الحركات الإصلاحية كالبروتستانتية ضد طبقة الإكليروس والبابا ومحاكم التفتيش وحاربت صكوك  الغفران، لكنها سقطت هي الأخرى في فخ العنف والالتزام الحرفي الصارم بالكتاب المقدس، حتى أنها جاءت بقوانين أشد قسوة مما كانت عليه القوانين الكاتوليكية وتولد عنها الثيوقراطية وجماعات إرهابية كالاأنابابتست والبيوريتان التي تطورت وكانت بذرة الأصولية المسيحية الحديثة. كيف تفسر هذا التقهقر لدى هذه الحركات الإصلاحية  عموماً وما الذي يمنع الحركات الاحتجاجية التي تشهدها الساحات العربية أن لا تتغطرس في العنف أيضاً؟

خالد حجي: لا مانع يمنع من سقوط الحركات الإصلاحية أو الاحتجاجية في الآفات التي سعت إلى تخليص المجتمع منها. هناك ديناميتان اثنتان، إحداهما تسعى إلى هدم أسس الاستبداد وتقويض أركان الطغيان واجتثات الفساد وما إلى غير ذلك من أهداف مشتركة بين أغلبية مكونات المجتمع؛ والثانية تستحث كل مكون من هذه المكونات نحو تحقيق الذات وفرض الوصاية على المجتمع ومراعاة المصلحة الخاصة. الحركات الثورية لا توفر بالضرورة شروط قيام مجتمع يخلو من العنف والغطرسة؛ بل ينتهي دورها عند تقويض أسس منظومة الفساد والظلم والطغيان. ذلك أنها برمجت على الهدم. أما البناء فيحتاج إلى وعي آخر، إلى أدوات أخرى.

إن الثورة ما هي إلا تصريف لمنسوب العنف داخل المجتمع، وهذا المنسوب يحتاج إلى وقت حتى ينضب. وأما إعادة بناء الدولة فلم يعد أمرا موكولا إلى الداخل فحسب؛ بل أصبحت تتحكم فيه قوى الخارج أكثر من قوى الداخل اليوم، خصوصا ونحن نعيش زمن الأسلحة الافتراضية التي أنهت مفهوم السيادة التقليدي. قد يكون عنف الحركات الاحتجاجية وغطرستها من جنس ما يمارس عليها من عنف وغطرسة من القوى الخارجية مثلا.

إن العالم اليوم أصبح أعقد من أن يسمح بتنبأ ما سيقع غدا. مستقبل العالم العربي مفتوح على المجهول. ليس هناك فكر يتولى تأطير الوعي لدى المجتمعات العربية؛ بل كل ما هنالك هو وسائل تواصل اجتماعي تحول معها الإنسان إلى « منتج-مستهلك » في نفس الآن، أي يستهلك ما ينتج من فكر، مثله مثل الإناء الذي ينضح بما فيه. إذا انفرط العقال ودخل المجتمع العربي في فوضى فعلى الدنيا السلام. نحتاج إلى زمن طويل حتى ينضب منسوب العنف فيه قبل أن تقوم للمجتمع قائمة.

ليس لنا إلا أن نتمسك بالرجاء في أن تفضي الاحتجاجات إلى سلاسة في تحقيق بعض مما تصبو إليه الشعوب العربية من حرية وعيش كريم. ما أحوجنا جميعنا، حكاما ومحكومين، إلى التحلي بالحكمة، والتخلي عن المواقف ذات الطبيعة الجامدة التي ينسد معها أفق الحوار.


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5