ads980-90 after header
الإشهار 1

في ذكرى ملحمة أنوال

جليل طليمات

الإشهار 2

ستظل ملحمة معركة أنوال بقيادة بطل الريف محمد بنعبد الكريم الخطابي وشما لن ينمحي من الذاكرة الوطنية للشعب المغربي لما قدمته وخلفته من دروس وعبر في مقاومة الاستعمار بإباء وروح وطنية عالية متحررة من أي أفق محلي ضيق.

تقديم

في غمرة النقاش العمومي، السياسي والحقوقي حول ملف الاحتجاجات الاجتماعية السلمية في الحسيمة المعروف باسم “حراك الريف”، أعيد هنا نشر هذه المقالة بمنسابة ذكرى ملحمة معركة أنوال الخالدة.

وقبل ذلك أريد التأكيد هنا على خلاصتين جوهرتين متكاملتين في الموضوع:

الأولى: إن حراك الريف هو في مبتدئه ومآله الراهن ذو طبيعة اجتماعية مصدرها عقود من التهميش والإقصاء للمنطقة من أي مخطط تنموي ينطلق من حاجياتها الحيوية والخصوصية كمنطقة تحتل مساحة جريحة كبرى في تاريخنا الوطني, قبل الاستقلال وبعده.. وفي الذاكرة الوطنية الواحدة.

أما الخلاصة الثانية: ضرورة تحلي الدولة بالإرادة السياسية لاستئناف مسلسل المصالحة الذي دشنه الخطاب الملكي سنة 1999 من أجل تجاوز عقلاني لمخلفات ذاك الحراك السياسية منها والحقوقية ما سيخدم المصلحة الوطنية الآن وغدا،  ومن مقتضيات ذلك وضع حد للاتهامات “الهوياتية” لقادة الحراك المعتقلين، تصريحا أو تلميحا، وإطلاق سراح جميع معتقليه، مع التعجيل بتلبية المطالب الاجتماعية لأهل المنطقة في آجال معقولة بأفق إقرار عدالة مجالية حقيقية.

وإضافة إلى ذلك، فقد آن أوان اتخاذ قرارات ذات رمزية قوية كاستعادة رفاة قائد ثورة الريف ودفنه في المغرب الذي كان دوما أفق ثورته المجيدة، والاحتفاء الرسمي بذكرى معركة أنوال كعيد وطني.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ستظل ملحمة معركة أنوال بقيادة بطل الريف محمد بنعبد الكريم الخطابي وشما لن ينمحي من الذاكرة الوطنية للشعب المغربي لما قدمته وخلفته من دروس وعبر في مقاومة الاستعمار بإباء وروح وطنية عالية متحررة من أي أفق محلي ضيق.

نعم، قضى عنف التحالف الاستعماري على ثورة الريف ولكن “بقيت مادتها المتفتتة ترسل إشعاعها عبر تاريخ المغرب” – كما قال المؤرخ جيرمان عياش، إذ شكلت فيما بعد مرجعا لكفاح جيش التحرير والمقاومة بالجنوب المغربي، بل ولحركات التحرر العالمية، ومرشدا للحركة الوطنية الحديثة. يقول الزعيم الوطني الديمقراطي الراحل عبد الرحيم بوعبيد في هذا السياق:

من الجهاد المسلح إلى الكفاح السياسي

“…بعد هذه المرحلة، مرحلة الجهاد المسلح التي استمرت إلى 1935، جاءت مرحلة الكفاح السياسي مستمدة قواها وعملها المتواصل من الدروس القيمة التي خلفتها ثورة الريف..” معتبرا ثورة بنعبد الكريم “أكبر مدرسة للوطنية” (ع. الرحيم بوعبيد- الشباب المغربي أمام مسؤولياته – ص 36)، ما يعني أن استراتيجية ثورة الريف لم تكن غير مقاومة المستعمر لا الانفصال، وكما قال بنعبد الكريم الخطابي مؤكدا ذلك: “لم يكن غرضنا التشويش على المخزن (…) ولكن قصدنا الأهم هو الدفاع عن وطننا العزيز الذي كان أسلافنا مدافعين عنه” (انظر ملف مجلة “زمان” العدد 45).

انطلق الخطابي في تصوره لمقاومة الاستعمار الإسباني، من اقتناع عميق بأن أية حركة مقاومة محكوم عليها بالفشل السريع إذا لم تتمكن من صياغة أسس وحدة تذوب فيها النزعات القبلية وتنحل ضمنها العقلية المحلية الضيقة. ومن هنا فأكبر إنجاز قام به بنعبد الكريم – بحكم مؤهلاته الذاتية – هو رص صفوف القبائل المتصارعة وبناء وحدة متماسكة بينها وإقناعها بضرورة الانخراط في معركة التحرير ككتلة واحدة. وبفضل ذلك، حققت ثورة الريف انتصارات كبرى كانت ملحمة أنوال عنوانها الخالد.

لقد تميزت ثورة الريف بوضوح الرؤية الوطنية المؤطرة لها: فلم يكن وراء مقاومة الاستعمار الإسباني نزوع انفصالي: فرغم تأسيس “جمهورية الريف” في السياق الدولي القائم آنذاك على التنافس الشرس بين القوى الاستعمارية على مناطق الشمال الأفريقي، ظل الخطابي يعتبر أن تقرير المصير هو حق الشعب المغربي لا “الشعب الريفي” وكان لسانه ناطقا باسم طموح وتطلع جميع المغاربة إلى الاستقلال، وهذا ما كان يؤكده طيلة عشرينيات القرن الماضي وما بعدها.

وفي هذا الإطار الوطني الواضح، صرح في 1925 لأحد الصحفيين بأن شروط السلام مع إسبانيا تتمثل في “انسحاب جميع الجنود الإسبانيين من المغرب إلى حدود الأطلنطي حتى تخوم الحدود الشرقية (…) ونحن نطالب ذلك باسم الأمة المغرية بأسرها” (أنظر كتاب “تنظيم الحماية بالمغرب – خير الدين فارس – ص 436 ).

لم نعلن الجهاد لأن الزمن ليس العصور الوسطى

كما تميزت ثورة الريف باستيعاب عميق للظاهرة الاستعمارية، لا كظاهرة “صليبية” تقتضي “جهادا دينيا”، فقد ميز بنعبد الكريم بين حرب التحرير وبين الجهاد، يقول في هذا الصدد: “لم نعلن الجهاد لأن الزمن ليس العصور الوسطى أو الحروب الصليبية. إننا نرغب ببساطة أن نعيش مستقلين” (نفس المرجع).

وبناء على ذلك، فإن جمهورية الريف التي أثارت الكثير من الجدل والتوجس من “أهل الريف” وخلفت تمثلات خاطئة حولها، مازلنا إلى اليوم نجد من يرددها عن جهالة، لم تكن ذات أهداف محلية وانفصالية هوياتية، بل كانت جوابا منطقيا على سلبية ظاهرة التشتت القبلي، وحاجة ذاتية لمقاومة المستعمر، وقد حققت الجمهورية هدفها “الانتقالي” حيث توحدت صفوف القبائل وساد النظام والقانون ما جعلها شوكة في حلق الاستعمارين الإسباني والفرنسي بحيث أصبحت، كما عبر عن ذلك ليوطي، “نقطة جذب ليس للمستقلين فحسب، ولكن لكل تلك العناصر المغربية خصوصا الشباب الذين توسعت آفاقهم وتطورت عندهم مسألة رفض الأجانب”.

نعت الانفصال = دعاية استعمارية فرنسية

إن نعت جمهورية الريف بالانفصال هو في الأصل دعاية استعمارية فرنسية، كان هدفها التأليب ضد ثورة بنعبد الكريم الخطابي التي لم تكن – كما تثبت ذلك مختلف الدلائل والدراسات التاريخية – سوى لحظة ومحطة ضمن سيرورة النضال الوطني من أجل استقلال المغرب ووحدته.

كتب الناقد الأدبي نجيب العوفي مقالة بجريدة “أنوال” سنة 1980 حول ذكرى ملحمة أنوال تحت عنوان “الذكرى والمآل”، أقتطف منه هذه الفقرة الدالة والعميقة:

“لأجل وصل حقيقي للماضي بالحاضر، ولأجل أنوال جديدة مزيدة ومنقحة لأنوال القديمة، ولأجل الحفاظ على صيرورة النار المشتركة، فإن الملحمة ترفض لنا بقوة أن نتخذ منها عزاء أو ما يشبه العزاء، ومضخة نفرج عبرها الهموم والأحزان، كما اتخذ منها الأعداء كوميديا مرتجلة وسرادقا كرنفاليا (..) وتدعونا، قبل ذلك، إلى أن نتعلم منها ونعي ونستوعب رموزها وعبرها، وهي رموز وعبر واضحة وعميقة في آن.”

فهل تستوعبون.. وتتعلمون.. وتصححوا تمثلاتكم الخاطئة والمجحفة في حق ثورة الريف، وفي حق مواطنينا ومواطناتنا في الريف الشامخ الذين لا يرضون عن الكرامة بديلا، فها هم (هن) بعد 98 سنة على ملحمة أنوال يسطرون اليوم فقرات جديدة من أجل ” أنوال جديدة”، فقرات هي أيضا من صلب نضالنا الوطني والديمقراطي, غايتها الوحيدة العيش في وطن يضمن الحق للجميع في الخبز والحرية والكرامة.


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5