ads980-90 after header
الإشهار 1

عن موت مرسي، والهيجان الإخواني…

محمد بن الطاهر من باريس

الإشهار 2

في إحدى الحفلات، جلست امرأة بجوار الكاتب الإنجليزي الكبير جورج برنارد شو على المائدة فقال لها بكل هدوء: سيدتي هل تقبلين أن تقضي معي ليلة بمليون جنية إسترليني؟ فابتسمت وقالت له: طبعا، بكل سرور يا سيدي، فقال لها: هل من الممكن أن نخفض المبلغ إلى عشرة جنيهات؟ فصرخت المرأة في وجهه قائلة: أنت تظنني من؟ فقال لها “شو” بهدوء: لقد عرفنا من أنت، ولكن خلافنا الآن على الأجر فقط!

ولم يذكر التاريخ اسم المرأة التي جلست مع “برنارد شو” على المائدة، ولكنه ذكر لنا أسماء الكثيرين من العهارة من المنبطحين والمنافقين من الحكام والسياسيين ورجال الدين الذين جلسوا على موائد الحكام ليحللوا للحكام الطغاة المستبدين أفعالهم.

موت مرسي له رائحة الموت البطيء لمعارض سياسي أطيح به بعد انقلاب عسكري سنة 2013، رغم التعبير الديموقراطي للشعب المصري بانتخابه رئيسا للدولة في 2012.

للتذكير، مرسي كان أول رئيس غير عسكري في تاريخ مصر، في السجن منذ ذلك الحين. تمت مقاضاته لعدة تهم، وحوكم في قضايا التجسس لصالح إيران وقطر والجماعات المسلحة مثل حماس في غزة. كما تم اتهامه بإثارة أعمال الإرهاب. كان يقضي فترة ولاية مدتها سبع سنوات بتهمة “تزوير ملف ترشيحه لانتخابات يونيو 2012”. فلا ننسى ولأن هناك مثلا شعبيا مغربيا يقول عن رمي المعارضين من قبل غيرهم بالتهم التي هم يفعلونها في الحقيقة : “ضربني وبكى، سبقني واشتكى” ألسنة الإخوان المسلمين الشهيرة المدعمة في أغلبيتها من طرف تركيا وايران تحدثت بلغة واحدة عن استشهاد الرئيس المخلوع وعن مسؤولية النظام العسكري وسنديه السعودية وقطر.

قد يكون ذلك أكثر من محتمل إذا أخذنا عامل الظروف السياسية والجيو استراتيجية في المنطقة والصراع بين ظلاميي الشرق الأوسط حول النفوذ السياسي والعسكري: السعودية ومصر وأنظمة رجعية أخرى اندمجت في استراتيجية صفقة القرن الأمريكية الصهيونية.

عندما جاء الحديث فعليا وحقيقيا هذه المرة عن مغالطة الصفقة وتنازل مصر من قبل عن جزيرتي تيران وصنافير، وأن الصفقة التي ظهرت بعض جوانبها تظهر أن هناك تنازلا في الطريق لكي يعطى من لا يملك من لا يستحق ومن ليس له الحق، وحينها بدأت الأبواق الصهيونية والعربية تروج لصفقة القرن بترحيل الفلسطينيين إلى دول عربية مجاورة، وأن رفض الصفقة يعني الحرب بين مصر وإسرائيل وسقوط الحكم الحالي وحلول الإخوان محله، وكأن بيع الأوطان والتنازل عن الحقوق التاريخية البديل عنها هو الحرب أو “بعبع الإخوان” الذي يخوفون به الشعب، رغم أن الشعب ما عاد ينخدع بمثل هذا الكلام ولكن يخشى فقط من القوة الغاشمة التي تجثم على أنفاسه بقوة السلاح، رغم ما يتم من أمور زائفة.

ونري آخرين ينكرون “صفقة القرن” ويصرحون بأنهم لا يعلمون عنها شيئا ومنهم كسلاء المغرب المنهمكون في ادخار الأموال، رغم أن “جاريد كوشنر” مستشار البيت الأبيض كشف بعض تفاصيل صفقة القرن لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وفق الرؤية الأمريكية ومن معها، وأكد أن هدفه “جعل الإسرائيليين والفلسطينيين في وضع أفضل”، وحيث قال ” إنه كان يجري العمل على هذا الأمر على مدار عامين، ولا يزال هناك القليل من الناس الذين يعرفون الخطة”.

استمرار محاكمة مرسي هو إذن استمرار لغليان دم الإخوان المسلمين في صراع حول الهيمنة على المنطقة بالقتل النهائي للقضية الفلسطينية والحد من نفوذ إيران.

لا ننسى أن المشاكل الداخلية التي يحاكم بها مرسي، وبثقلها كإخضاع السلطة القضائية لحكم الرئيس، قد تبدو أقل أهمية في الأوضاع الحالية أمام أهمية مشروع الصفقة الملعونة.

إلا أن تساؤلنا هو لماذا هذا الهيجان الإخواني من الساسة ورجال الدين حول موت شخصية لا يتكلم عنها أحد وبغياب النقد للنظام العسكري الفاشي المحمي من طرق طاعون أمريكا؟

في تقديري البسيط، على الأقل، إن ظروف الانقلاب على مرسي والتنكيل به في سجون النظام المصري، ومنعه من العلاج الطبي والمحاكمات الهزلية التي تعرض لها، تجعل من وفاته أقرب إلى القتل على يد سلطات الانقلاب المصري، مثلما وصفته تقارير منظمة “هيومن رايتس ووتش” فور إعلان وفاة مرسي الذي سبق له أن صرّح، خلال جلسة محاكمته يوم 7 مايو الماضي، بأن هناك خطراً يتهدد حياته من دون أن تتخذ السلطات أي إجراء لناحية السماح للأطباء أو لعائلته الملاحقة أصلاً، بزيارته. موته، وإن لم يكن مبرمجا، فأنه يخدم استراتيجية الانبطاح بضرب المعارضات التي تهدد بنفوذها مشاريع أمريكا والعدو الصهيوني وأذيالهم من الأنظمة الظلامية التي تقتل في اليمن وتهاجم إيران وتعمل كثورة مضادة في السودان. هذا صراع بين ظلاميي في الحكم وظلاميين ينافسوهم عليه والشعب يبقى هو الضحية.

وهل يرقى موت مرسي إلى نقطة القطيعة بين الإخوان بمختلف تلاوينهم مع العصابات الحاكمة وأوليائها؟ التنديد بهذا الاغتيال ليس صكا أبيضا عن مسؤوليات ظلامييى المعارضة ومحتضني قتلة المناضل الحقوقي فرج فودة الذي إن كان لايزال حيا، أكيد أنه كان سيقف إلى جانب الحق في الحياة.

باريس 18 يونيو 2019


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5