ads980-90 after header
الإشهار 1

محمد كرميم البيـهي يكتب عن مسار إصلاح التعليم بالمغرب 1956- 2016 (4/2)

ذ. محمد كرميم البيــهي

الإشهار 2

البدايـــات المؤسسة للتراجعـــات

بعد إسقاط حكومة مولاي عبد الله إبراهيم بدأت التراجعات الخطيرة على أهم الركائز التي وضعت في قطاع التعليم منذ الاستقلال:

سنة 1964 : مناظرة المعمورة تمخض عنها تقليص ميزانية التعليم مما أثر سلبا على تعميم التعليم. نذكر في هذا الباب بأن عدد الأطفال المتمدرسين انتقل من 300.000 طفل داخل المدرسة سنة 1956 إلى 1300.000 طفل داخل المدرسة سنة 1964. لنتصور لو استمر الأمر بهذه الوثيرة لوصلنا مبكرا إلى مجتمع متعلم قارئ و مثقف قادر على المساهمة في التنمية بكل أبعادها.

لكن على العكس من ذلك سنة 1965 أصدر الديوان الملكي مذكرة جاء فيها أن ما تم انجازه في موضوع التعليم إلى حدود 1965 كان دائما يتسم بالتسرع و الارتجالية و أن ارتفاع عدد التلاميذ يمثل مشكلا كبيرا للدولة. و حددت نفس المذكرة ألا يتجاوز عدد التلاميذ بالابتدائي 1564.000 تلميذ خلال العشر سنوات المقبلة… 1965/1975. أي حوالي 26.000 تلميذ فقط في كل دخول مدرسي!!! عوض 100.000 تلميذ التي كانت تسجل في كل سنة الى حدود 1965.

بعد ذلك نظم وزير التعليم محمد بنهيمة ندوة صحفية في 16 أبريل 1966من أجل تصريف مضمون مذكرة الديوان الملكي. حيث أطلق على الإجراءات الجديدة اسم: المذهب الجديد للتعليم”.ففي الوقت الذي كانت فيه نسبة التمدرس 17% سنة 1956 و انتقلت إلى 47% سنة 1965…

أنزلها “المذهب الجديد للتعليم” لصاحبه بنهيمة إلى 33%.

سنوات 1965/1967: تمت بلورة المخطط الثلاثي. أهم ما جاء فيه التراجع عن المبادئ الأربع (التعميم و التــوحيد و المغــربة).

سنة 1970: تنظيم مناظرة إفران الأولى: صادفت التوتـرات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية،

من نتائجها تعريب الفلسفة  و تعريب الاجتماعيات و إحداث البكالوريا التقنية. في نفس السنة تم إحداث المجلس الأعلى  للتعليم في حلة جديدة. لكنه لم يشتغل قط. و هو ما يفسر التجادب القـــوي حول الرهان على التعليم.

سنوات 1973/1977: المخطط الخماسي الثاني. جاء فيه:

انطلاق مغربة السلك الثاني.

إحداث مكتب التكوين المهني و إنعاش الشغل.

الشروع في تعريب المواد العلمية في الابتدائي.

إحداث شعبة الدراسات الإسلامية و إلغاء بعد ذلك شعبة الفلسفة.

تحديد الدخول المدرسي في 16 شتنبر.

سنة 1980: مناظرة إفران الثانية: عرفت هذه المرحلة بداية تدخل البنك الدولي في السياسة التعليمية بالمغرب بدء باعتبار التعليم قطاع غير منتج ( منطق المقاولة)، تقنيين التكرار. و تقنيين تسجيل الموظفين في التعليم الجامعي.

مناظرة إفــران الثانية  1980 كان لها ما قبلها و ما يعدهــا:

قبلها وقع إضراب عام في قطاعي التعليم و الصحة لمدة 48 ساعة يومي 10 و 11 أبريل 1979 تم على إثره طرد و توقيف المئات من نساء و رجال التعليم و بعد المناظرة جاءت أحداث 1981 الدموية على إثر دعوة الكونفدراليــة الديمقراطيــة للشغل إلى إضراب عام. خرجت الدار البيضاء عن بكرة أبيها تطالب بالتراجع عن الزيادة في الأسعار و مناهضة السياسات اللاشعبية ذهب ضحية هذه المظاهرة مئات المواطنين دفنوا في مقابر جماعية، سماهم ادريس البصري سيئ الذكر بشهداء كوميــــرا  !!!

سنــوات 1983/ 1994 : هذه الفترة سيدخل فيها المغرب مرحلة التقويم الهيكلي الذي كان له انعكاسات خطيرة على التعليم:

تخفيض ميزانية التعليم من جديد

تجميد الأجــــور

التحكم في النفـقات

الحد من السلطة التربوية للأستاذ و المفتش من خلال إصدار مذكرات في هذا الشأن لتسود الفوضى داخل الأقسام و داخل المؤسسات.

تجميد بناء مؤسسات جديدة  مما أدى إلى الاكتضاض الفاحش.

الحد من المنح الدراسية مما أثر بشكل قوي على تمدرس أطفال الوسط القروي لا سيما الفتيات.

تجميد بناء الداخليات و دور الطالبة مما أدى إلى حرمان أبناء الفقراء من متابعة دراستهم.

توجيه التلاميذ نحو التعليم التقني.

لقد سرعت أحداث 1984 بصياغة مرسوم 1986 الذي فتح لنساء و رجال التعليم و لأول مرة الترقي بالاختيار لأنهم كانوا مستتنين منه منذ 1959.

أدت التراجعات الخطيرة في قطاع التعليم، المذكورة أعلاه، إلى التنسيق النقابي و توحيد النضال بين مركزية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل و الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الأمر الذي أدى إلى خوض إضراب عام في القطاعين العام و الخاص يوم 14 دجنبر 1990 الذي تحول إلى مظاهرات في مدن الدار البيضاء و فاس و أكادير و غيرها سقط خلالها شهداء. سميت هذه المحطة النضالية ب دجنبر الخالدة ألف شهيد و شهيدة.

سنوات 1994/ 1998 : عاش العالم منذ بداية التسعينات هجوما منظما و قـويا للفكر الليبيرالي  المتطرف الذي أعلن الحرب على المرافق العمومية معتبرا أن زمن تدخل الدولة قد انتهى. و أن استمراره يعرقل التنمية. هنا بدأت الحكومة المغربية في التخلص من جزء من التزاماتها لاجتماعية اتجاه الفئات المحرومة بهدف التخفيف من الميزانيات و على رأسها ميزانية التعليم . و ذلك تماشيا مع التوجه الجديد الذي يتأسس على مفاهيم جديدة مثل اقتصاد السوق المبني على التنافس و الاستهلاك. في هذه الحقبة جاء الاعتـراف الرسمي للدولة المغربية بفشل التعليــــم و فشل السياسات التعليمية السابقـــة. و بدأت الدعوة إلى مراجعة المجانية. و كأن المجانية هي السبب الرئيسي في فشل التعليم في حين أن الدول التي حققت تنمية حقيقية تعليمها مجاني 100%. قام المرحوم الحسن الثاني بتشكيل اللجنة الوطنية لإصلاح  التعليم. لكن اشتغالها توقـف في منتصف الطريق. لأن الملك الراحل رفض نتائجها معتبرا التقرير الذي قدم له تقريرا إديولوجيا و ليس تقريرا تربويا: هذا تقرير اديولوجي و ليس تقرير تربوي!!!   ربما كان يسعى إلى أن تتضمن  مسودة هذا التقريـــر إلغاء المجانية.

محاولات الإصلاح في هذه الفترة كانت تهدف إلى تجاوز آثار التقويم الهيكلي على التعليم، لكن دون جدوى.

سنة  1999: سيعيد الملك الراحل الحسن الثاني تشكيل اللجنة الملكية للتربية و التكوين برئاسة المستشار الملكي المرحوم مزيان بلفقيه.

انبثق عنها الميثاق الوطني للتربية و التكوين، الذي تضمن إصلاح منظومة التربية و التكوين بتغيير المناهج و البرامج و تعدد الكتب المدرسية و تدريس الأمازيغية…….الخ.

انطلق الإصلاح في إطار الميثاق الوطني للتربية و التكوين سنة 2000 لتنتهي العشرية الأولى للإصلاح سنة 2010. تمخضت عنها عدة إجراءات إصلاحية مثل:

1- تنظيم دورات التكوين المستمر من 2004 إلى 2007 بهدف الرفع من قـــدرات نساء و رجال التعليم و تجويد كفاياتهم التعليمية و التأطيرية لكن هذا الورش المهم تحول إلى كعكة تتقاسمها عدة جهات تعليمية.

2- تنظيم منتديات الإصلاح عبر الأقاليم و الجهات كان الهدف منها تجميع آراء و اقتراحات الشغيلة التعليمية حول إنجاح إصلاح التعليم. لكن هذه المنتديات توقــفت هي الأخرى دون معرفة سبب توقفها.

3- تم وضع منهجية سنة 2004 لضبط المواصفـــــات المؤهلة لانتقاء و اختيار المسئوليـــن الإقليمييـــن و الجهوييــن الذين يمكن أن يشاركوا بكفاءتهــم في قيادة الإصلاح. هذه المنهجية تم إقبارها هي الأخرى بعد سنتين فقط من تطبيقها.

سنة 2008  فاجئـنا المرحوم مزيــان بلفقيه مهندس الميثــاق الوطني للتربية و التكوين بالتصريح التالي:

إن إصلاح التعليم بالمغرب قد فشل. و لست وحدي المسؤول عن فشلــــــــه. بعده صرح وزير التربية الوطنية رشيد بلمختــار بأن مستــوى تلميذ التاسعة إعدادي من سبعينيات القرن الماضي أحسن من مستوى الطالب الجامعي اليوم . ثم جاءت الصدمة الكبرى من ملك البلاد محمد السادس الذي يقر دائما بأن التعليم أولوية ثانية بعد القضية الوطنية ليقول في إحدى خطبه: التعليم في المغرب قبل عشرين سنة كان أحسن بكثير مما عليه هو اليوم .

في خضم هذه التصريحات التي تجمع كلها على أن التعليم في المغرب فاشل، قامت الدولة المغربية بإعـداد برامج إصلاحية أولها البرنامج الاستعجالي و ثانيها الرؤية الاستراتيجية :

أولا: البرنامج الاستعجـــالي 2009/2012  رصدت له ميزانية ضخمة قــدرت ب 42 مليار درهـــــم مجهولة المصدر!! لم يصرف منها أكثر من 50% والباقي تبدد على أيادي معروفة. كان الهدف من البرنامج الاستعجالي هو تسريع وثيرة الإصلاح  لكنه تحول على يد بعض الفاسدين إلى تسريع تبديد المال العام. لقد كان البرنامج الاستعجالي يتضمن إجراءات مهمة جدا لولا ضعف الحكامة في التدبير والمراقبة و التـتبع.

مثل: بيداغــوجيا الادماج + محاربة الهدر المدرسي + تشجيع جمعيات دعم مدرسة النجاح + مبادرة المليون محفظة + توسيع برنامج تيسير + توسيع برنامج المطاعم المدرسية + الرفع من منحة الداخليات +  تفعيل برامج النقل المدرسي +  الزيادة في عدد المدارس و الاعداديات و الثانويات… الخ.

بعد تقويم البرنامج ألاستعجالي تبين أن التعليم بالمغرب لا يزال يعاني من عدة إختلالات نذكر منها:

أ- عدم وضوح الأهداف و المرامي و الغايات بالنسبة لكل سلك تعليمي.

ب- عدم تحقيق المساواة في تحديد مواصفات مخرجات التعليم الملائمة لحاجيات المجتمع.

ج- تفاقم ضعف التمكن من التعلمات الأساسية :

القراءة و الكتابة و الحساب و القيم و التموقــع في الزمن و المكان.

د- عدم تعميم التمدرس بالنسبة للفتاة القروية

هــ- استمرار تهميش الأطفال المعاقين

و- تفاقــم الهدر المدرسي بحيث 350.000 طفل يغادرون المدرسة سنويا.

ز- تفاقــم الخصاص في الموارد البشرية ذات التكويــن الجيد.

ح- لم تتوفــر جميع محاولات الإصلاح على الدعم المادي و المالي باستثناء البرنامج الاستعجالي. ذلك لأن هاجس الإصلاحات السابقة هو تقليص تكلفة الدولة في قطاع التعليم و فتحه للقطاع الخاص (الساعات التضامنية + المغادرة الطوعـية + مراجعة نظام التقاعد + التوظيف بالعقدة … الخ).

الأمر الذي عمق هشاشة المنظومة و أضعف العرض المدرسي. و هي الخلاصة التي أكدها المجلس

الأعلى للحسابات في 2017. ( الاكتضاض الفاحش + الخصاص المهول + ضعف البنية التحتية…).

أما على مستــوى محاربة الأمية : فلقد عرفت برامج محاربة الأمية فشلا دريعا. لقد تضاعف عدد السكان الأميين خلال الأربعين سنة التي تلت الاستقلال. إذ انتقل عدد الأميين من 6 ملايين سنة 1960 إلى 13 مليون سنة 2004. و ذلك رغم الحملات المنجزة في أجواء الحماس التي عاشها المغاربة غداة الاستقلال. هذا الجهد تراجع أواسط التسعينيـات. تم أن دوام الأمية مدة طويلة غـــدته تسربات المنظومة و الهدر المدرسي بالأميين الناشئين الذين يغادرون المدرسة دون إتمام تعليمهم الإلزامي. ففي الوقت الذي يغادر فيه 350.000 تلميذ المدرسة نجد أن الطاقة الاستيعابية لبرنامج محاربة الأمية و التربية غير النظامية لا تتعدى 200.000 مستفيد !!!

اليوم يتم الحديث عن 2000.000 طفل مغادر ( مليونان).

هناك أيضا 4000.000 (4 ملايين) شاب بين 18 سنة و 29 سنة لا يدرسون و لا يشتغلون و لا يتدربون على مهن أو حرف و ذلك حسب الإحصاءات الرسمية.

هذا دون احتساب أبناء الفقراء و لا سيما بالوسط القروي و خاصة الفتيات، الذين لا يلجون المدرسة أصلا. أي خارج المسار التربوي.

أما بطالة حاملي الشهادات التي تزداد عددا و استمرارا فإن البعض يعـزي هذه الآفة كون تعليمنا يتسم بعدم تكيفه مع المعطيات الجديدة لسوق الشغل. في حين أن الحقيقة تكمن في كون الاقتصاد المغربي عاجز عن خلق الثروات و توفير مناصب الشغل. و هو المشكل الحقيقي اليوم بالنسبة للمجتمع.

يتبع…


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5